واشنطن تعود إلى القرن الإفريقي عبر بوابة إثيوبيا… والسودان خارج الصورة
في لحظة يعاد فيها تشكيل موازين القوة في القرن الإفريقي بوتيرة غير مسبوقة، تبدو التحركات الأميركية تجاه إثيوبيا أكثر من مجرد تقارب دبلوماسي؛ إنها إشارة إلى أن الخرطوم، الغارقة في حرب مدمرة منذ أربعة أعوام، باتت خارج الحسابات الاستراتيجية التي ترسم مستقبل المنطقة. فبينما تنشغل واشنطن ببناء شراكة طويلة المدى مع أديس أبابا، يتراجع السودان إلى هامش المشهد، فاقدًا القدرة على التأثير في الملفات التي كانت يومًا جزءًا من دوره الإقليمي الطبيعي.
وتكشف الخطوات الأميركية الأخيرة — وعلى رأسها توقيع “إطار الحوار الثنائي المنظم” مع إثيوبيا — عن تحول عميق في المقاربة الأميركية تجاه القرن الإفريقي، من إدارة الأزمات إلى بناء تحالفات استراتيجية متعددة المستويات. فاللقاءات التي رافقت الاتفاق لم تقتصر على الدبلوماسيين، بل شملت مسؤولين عسكريين وأمنيين من وزارة الدفاع وقيادة “أفريكوم”، في مؤشر واضح على أن واشنطن ترى في إثيوبيا مركز ثقل إقليميًا قادرًا على لعب دور محوري في أمن البحر الأحمر وشرق إفريقيا.
ويأتي هذا التحول في وقت يشهد فيه السودان انهيارًا داخليًا واسعًا، وتراجعًا في قدرته على التأثير في محيطه، بينما تتقدم إثيوبيا بثبات نحو إعادة بناء موقعها الإقليمي. فالحرب السودانية لم تدمر فقط البنية التحتية والمؤسسات، بل أضعفت قدرة الدولة على التفاعل مع التحولات الجيوسياسية التي تجري حولها، تاركة فراغًا ملأته قوى إقليمية ودولية أخرى.
ولسنوات طويلة، نظرت واشنطن إلى القرن الإفريقي من زاوية أمنية ضيقة، مرتبطة بمكافحة الإرهاب وحماية الملاحة الدولية. لكن التغيرات المتسارعة — من التنافس الدولي على الموانئ والممرات البحرية إلى تصاعد النفوذ الصيني قرب باب المندب — دفعت الولايات المتحدة إلى إعادة تقييم موقعها. وفي هذا السياق، تبدو إثيوبيا، بجيشها الكبير وسكانها الذين يتجاوزون 120 مليونًا، وموقعها الجغرافي المؤثر، خيارًا أكثر استقرارًا مقارنة بالسودان الذي يعيش حالة انهيار ممتد.
وتتضح أهمية هذا التحول عند النظر إلى ملف البحر الأحمر، الذي أصبح ساحة تنافس دولي مفتوحة. فتهديدات الحوثيين، وعودة نشاط القرصنة، وتزايد الوجود العسكري الدولي، جعلت من أمن الممرات البحرية أولوية قصوى. ورغم أن إثيوبيا دولة حبيسة منذ 1993، فإن طموحها البحري — الذي تجلى في اتفاقها مع “صومال لاند” بشأن ميناء بربرة — يعكس رغبتها في لعب دور مباشر في أمن البحر الأحمر، وهو ما تدركه واشنطن جيدًا.
وفي المقابل، يقف السودان على الضفة الأخرى من هذا التحول، عاجزًا عن الاستفادة من موقعه الجغرافي أو من تاريخه كدولة مطلة على البحر الأحمر. فالحرب التي دمرت مؤسسات الدولة جعلت الخرطوم غير قادرة على المشاركة في ترتيبات الأمن الإقليمي، في وقت تتقدم فيه أديس أبابا لتملأ الفراغ.
ولا يقتصر التقارب الأميركي الإثيوبي على الأمن، بل يمتد إلى الاقتصاد والاستثمار. فمشروعات كبرى مثل مطار بيشوفتو الدولي — الذي تبلغ تكلفته 12.5 مليار دولار — تعكس رغبة إثيوبيا في التحول إلى مركز لوجستي إقليمي، بينما ترى واشنطن في هذا التوجه فرصة لتعزيز نفوذها الاقتصادي في مواجهة المنافسة الصينية. وفي الوقت الذي توسع فيه أديس أبابا شراكاتها، يعاني السودان من انهيار اقتصادي غير مسبوق، وتراجع في قدرته على جذب أي استثمارات أو دعم دولي.
ويرى الباحث الإثيوبي ممّار أيالو ديميكي أن المنطقة دخلت مرحلة “إعادة تموضع دولي”، تتنافس فيها القوى الكبرى على النفوذ والممرات البحرية. ويقول إن إثيوبيا تحاول استثمار موقعها وثقلها الديموغرافي للتحول إلى لاعب إقليمي يصعب تجاوزه. وفي هذا السياق، تبدو الخرطوم غائبة عن المشهد، غير قادرة على التأثير في الملفات التي كانت يومًا جزءًا من دورها الطبيعي.
ويذهب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي (CSIS) إلى أن واشنطن باتت تنظر إلى إثيوبيا باعتبارها شريكًا استراتيجيًا لا يمكن التخلي عنه، محذرًا من أن أي تراجع أميركي في الانخراط داخل إثيوبيا سيمنح القوى المنافسة مساحة أوسع لإعادة تشكيل موازين النفوذ في المنطقة. وفي المقابل، لا يرد السودان في هذه المعادلة إلا بوصفه ساحة صراع مفتوحة، لا بوصفه شريكًا يمكن البناء عليه.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو السودان خارج الحسابات الإقليمية والدولية، غارقًا في حرب تستنزف ما تبقى من قدراته، بينما تتحرك القوى الكبرى لإعادة رسم خرائط النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. ومع استمرار الانهيار الداخلي، تتسع الفجوة بين الخرطوم وأديس أبابا، ليس فقط في القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل في القدرة على التأثير في مستقبل المنطقة.
فالتحالفات الجديدة التي تتشكل اليوم لا تنتظر السودان، ولا تراعي موقعه الجغرافي أو تاريخه السياسي. إنها تعكس واقعًا جديدًا تُعاد فيه صياغة موازين القوة، بينما يقف السودان — بكل ثقله السكاني والجغرافي — خارج المعادلة، في انتظار تسوية سياسية قد تعيد له جزءًا من دوره، أو تتركه على هامش التحولات الكبرى التي تعيد رسم القرن الإفريقي.
واشنطن تعود إلى القرن الإفريقي عبر بوابة إثيوبيا… والسودان خارج الصورة
— اخبار السودان (@sudanakhbar) May 19, 2026
👇🏾 التفاصيلhttps://t.co/rVDpxjXPKo

تعليق